ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي حكاية مجد لأبناء الوطن

339

بقلم سحر حمزة

في هذا اليوم من كل عام في  الأول من آذار  نحتفي بحماة الوطن وحماة الديار وجهودهم الجبارة في الذود عن الوطن وحماه  ونروي للأجيال المستقبلية حكاية مجد نفخر بها بتأسيسه قبل ستة  عقود مضت منذ تولي الحسين الراحل العظيم قيادته وكان سجله حافلا بالأنجاز الوطني الذي يروى لهم الحكاية جيش عربي باسل يرفع الرأس عاليا في فضاء العالم بكل فخر وعزة .

و كما هي حكايات الجدات التي تروى للأجيال المستقبلية  عن ورثة الثورة العربية الكبرى تسرد بثقة وسؤود جهودهم الجبارة   في تحقيق الاستقلال والوحدة التي رسخها الهاشميون وجعلوا الجيش العربي صورة أجمل وأرقى  لأردننا الغالي   منذ  تعريب لقيادة الجيش الأردني العربي عام 1956  بقرار  اتخذه الملك الحسين الذي يقضي  بتعريب قيادة الجيش وإعفاء الجنرال كلوب من منصبه بالإضافة إلى بقية القيادات الانجليزية فيه بجرأة غير مسبوقة من قائد مقتدر  ملهم وشجاع .

 

نستذكر  كل عام  قرار  التعريب للجيش العربي  الذي اتخذه المغفور له بإذن الملك حسين بن طلال  بجرأة متناهية قبل ثلاثة وستون عام مضت من مسيرة البناء والتنمية في أردننا الغالي  دون النظر إلى نتائجه التي قد تترتب على الوطن  في ذلك الوقت العصيب، ويعبر بنا شريط تأسيس جيشنا العربي الأردني الباسل بداية الانطلاقة القوية للجيش العربي بإيحاء  من رسالة الثورة العربية الكبرى ونبل رسالتها، وعلى قاعدة من العلم والمعرفة ومسايرة العلوم العسكرية والتكنولوجيا، فتسارعت همم الهاشميين وأطلقت العنان لأبناء الجيش العربي لبناء مؤسستهم العسكرية الوطنية التي باتت مثالاً يحتذي به ، ونبراساً لكل العرب قاطبة ، بما حققته من سمعة عالمية قل  نظيرها.

 

وكلنا يعرف بأن التعريب للجيش العربي المصطفوي ليس هين حينها لكنه أضحى واقعا حيث   أسس رحمه الله لهذا الجيش الأسس الراسخة  لدستور شرف عسكري فأصبح رسالة وعنواناً وهوية تزين صدور النشامى والنشميات الذين أقسموا بالله العظيم على الإخلاص  لله وللوطن والملك والمحافظة على الدستور والقوانين والأنظمة النافذة بكل شرف وأمانة، وقد أدركوا منذ صيحة الحسين–رحمه الله–التي دوت في أرجاء المعمورة أن مهمتهم الأولى هي الدفاع عن الأردن وصون استقلاله وحماية الشرعية فيه، وهاجسهم على الدوام أمنه واستقراره، فهم يبذلون في سبيله كل مسعى ليحافظ على  حرية وكرامة أهله من أقصى الشمال إلى جنوبه ويفتدونهم بأرواحهم ودماءهم بما ينسجم مع هويتهم العربية والإسلامية

 

وتعاودنا الذكريات الوطنية حينما  أدرك المغفور له الملك الحسين بن طلال رحمه الله  بحسه الوطني والقومي وبعد نظره  بيقين بأنه يستحيل على الجيش العربي أن يتطور أو يتقدم ما دامت قيادته من غير أبناء الوطن ، وأنه يجب أن  يحتل مكانةً مرموقةً عربياً ودولياً،  بهم وأنه يجب التخلّص من قيادته الأجنبية التي ليس لها شأن في تسليحه وتدريبه وتطوير قدرات منسوبيه من جنودنا البواسل ، وقد عمل منذ الساعات الأولى لاعتلائه العرش على التفكير في استبدال القيادة الأجنبية بأخرى عربية تعمل على تطويره وتحديثه وتدريبه وفق أفضل المعايير الدولية للجيوش المتقدمة؛ ليكتب أبناؤه بعد ذلك، تاريخه المشرف ببطولاتهم العظيمة، وتضحياتهم الجسيمة على أرض فلسطين السليبة  وغيرها من الأراضي العربية الصديقة وما عرف عنهم من باسلة وإقدام وبطولة مشهودة في شتى بقاع العالم بما يمثله جنوده من صورة مشرفة ونماذج نفخر بهم كرسل للسلام و للمحبة والإخاء بين الأشقاء والأصدقاء حول العالم .

 

إن  عملية تعريب الجيش الأردني كانت ليست سهله في ظل تحديات عدة تعيشها المنطقة العربية في ظل النكسة التي تعرض لها بلد الجوار فلسطين من احتلال وكما قال رحمه الله  في كتابه (مهنتي كملك) بعد قراره بتعريب الجيش : «ولما كنت خادماً للشعب فقد كان علي أن أعطي الأردنيين مزيداً من المسؤوليات، وكان واجبي أيضاً أن أقوي ثقتهم بأنفسهم وأن أرسخ في أذهانهم روح الكرامة والكبرياء القومي لتعزز قناعتهم بمستقبل الأردن وبدوره إزاء الوطن العربي الكبير، فالظروف والشروط كانت ملائمة لإعطائهم مكاناً أكثر أهمية في تدبير وإدارة شؤون بلادهم لا سيما الجيش، ولكن على الرغم من أن كلوب كان قائداً عاماً للجيش فلم يكن بمقدوره أن ينسى إخلاصه وولاءه لإنجلترا وهذا يفسر سيطرة لندن فيما يختص بشؤوننا العسكرية، وقد طلبت مراراً من الانجليز أن يدربوا مزيداً من الضباط الأردنيين القادرين على الارتقاء إلى الرتب العليا وكان البريطانيون يتجاهلون مطالبي”.

 

لقد كان قرار الحسين قراراً سيادياً بحتاً ويعتبر خطوة على المسار الصحيح لاستقلال الأردن من النفوذ الأجنبي ونقطة تحول هامة في تاريخ العرب الحديث ودافعاً قوياً للأردن للدفاع عن استقلاله وكرامته وحريته، وقد أتاح هذا القرار للأردن بسط سيادته السياسية على كل إقليم في الدولة ومؤسساتها، وأعاد الهيبة للجيش والأمة بامتلاك حريتها، وصنع قرارها، بعيداً عن التهديدات والضغوطات التي كانت تمارس بحقها وأعطى الفرصة لأبناء الوطن لتولي المسؤولية والتدريب على القيادة العسكرية وخلق القادة من أبناء الأردن الغالي .

 

كما أدت خطوة تعريب قيادة الجيش العربي إلى توظيف جميع قدراته وإمكانياته لخدمة أمن الوطن وصون حقوقه والمحافظة على ترابه ومكتسباته، كما مكّن القرار صانعه جلالة المغفور له الملك الحسين من بناء مؤسسة عسكرية حديثة امتازت بالانضباط ومشاركة القوات المسلحة بالخطط التنموية وبناء الوطن والمشاركة الفاعلة لجيشه في رفد مسيرة البناء والعطاء والمساهمة في بناء قدرات أبنائه وتأهيلهم في شتى مجالات العمل ليكونوا بحق كما أرادهم الحسين ومن أجلهم اتخذ قراره التاريخي. هذا الجيش ساهم في استقرار الكثير من الدول العربية والعالمية وتمكن من بناء الروابط القوية مع جيوش المنطقة من خلال قوات حفظ السلام وتبادل الخبرات وفتح مدارس التدريب لجميع الصنوف والمعاهد العسكرية العليا التي أهّلت ضباط وأفراد هذا الجيش ليكونوا في الطليعة دائماً وكما أرادهم الحسين–رحمه الله–الذي هو قائدهم الأعلى وقرة عيونهم وأملهم وصانع مجدهم والرمز لهذه الأمة ولهذا الجيش.

 

إن الجيش العربي وبفضل خطوة الحسين- رحمه الله – الجريئة، وجهود جلالته العظيمة، استطاع أن يتربع على قمة التميز والاحترافية في الخطط العسكرية والتدريب للجيوش الأخرى في دول الجوار الذي استعانوا بهم ، فسار بخُطى واثقة وخطط مدروسة جعلت منه جيشاً منظماً محترفاً منضبطاً حاز على إعجاب القاصي والداني، فصار موضع احترام وتقدير وهيبة، ما يجعلنا نفخر بإنجازاته منذ تعريب قيادته إلى هذه اللحظة التي وصل فيها الجيش العربي في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني إلى مصاف الجيوش المتقدمة إعداداً وتسليحاً ليتناسب ذلك مع طبيعة التهديد الذي قد يتعرض له الوطن  أيّاً كان مصدره ومستواه وحجمه لا قدر الله .

 

إن أبناء القوات المسلحة الأردنية وهم يعيشون ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي، يبتهلون إلى المولى عز وجل أن يشمل  جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال بواسع رحمته ورضوانه وأن يسكنه فسيح جناته ، ويستذكرون دوما  صاحب القرار الشجاع والخطوة الجريئة التي كان لها كبير الأثر في بناء الجيش المصطفوي النموذجي بقيادته وجنده البواسل ، ويعاهدون قائدهم  الأعلى جلالة الملك عبدالله الثاني المفدى على أن يبقوا درع الوطن الأقوى والدرع الواقي  للأمة وأملها في الدفاع عن الحق وصون الكرامة للشعب  وتحقيق المجد لأردننا الغالي ،وهم  يعملون بكل إمكانياتهم وبما يملكون  من قوة وطاقات وعزم في سبيل الحفاظ على أمن واستقرار الوطن الغالي رافعين رؤوسهم بالأعالي فخورين بأنهم  جنوداً أوفياء ورجالاً أقوياء لخدمة وطنهم  وهم سائرون  على النهج الذي بدأه قائد الجيش حين قرر تعريبه  المغفور له الحسين رحمه الله متوجيهن  بالدعاء لله العلي القدير  بأن يحفظ جلالة القائد الأعلى المفدى ذخرا و سنداً للأمتين العربية والإسلامية، ويبتهلون لله سبحانه أن يديم على الوطن نعمة الأمن والأمان على مدى الأيام تحت راية جلالة قائدهم الأعلى المفدى الملك عبد الله الثاني بن الحسين الصقر الهاشمي الأقوى لتبقى خفاقة في أعالي القمم بفضاء العالم الرحب بجنوده الأوفياء وجيشه الباسل  .

اترك تعليق