الحرة نيوز –

في كتب التاريخ كذبة مفادها أن الأردن، وتحديدا سهول حوران وجنوب عمان، كانت تزود الإمبراطورية الرومانية بالقمح والحبوب، حتى أطلق عليها اسم «أهراء روما».

فوزارة الزراعة لدينا تصرح، بصورة غير مباشرة ان هذه المقولة كذبة، عندما تقول ان 90 بالمئة من مساحة البلاد لا تصلح لزراعة القمح.

ولنكتشف لاحقا، وفق تصريحات للوزارة أن منتوج القمح المحلي بالكاد يكفي البلاد والعباد عشرة أيام فقط في السنة.

ومعروف أن محصولي القمح والشعير من أهم المحاصيل التي تزرع في المملكة وذلك لأهميتهما في الأمن الغذائي. وبالرغم من أهميتها إلا أن هناك تراجعا في المساحات المزروعة، الذي ينعكس سلبا على الانتاج.

وتظهر أرقام دائرة الإحصاءات العامة (في كتاب الأردن في أرقام الصادر العام الماضي) أن نسبة الاكتفاء الذاتي (أي قدرة الدولة على توفير الاحتياجات الغذائية من الانتاج المحلي) بلغت للسنوات من 2012 إلى 2015 على النحو التالي: (2,2، 3,3، 2,1، 1,7)، اي انها ارتفعت عام 2013 بنسبة 1,1 لتنخفض إلى 1,7.

أما الشعير فقد ارتفع خلال هذه السنوات على النحو التالي: (4,1، 4,2، 3,8، 5،8).

وهذا.. بلغة أخرى، يعني أن «أهراء روما» تستورد من الخارج 98,3 من احتياجاتها من القمح و94,2 من احتياجاتها من الشعير، وفق أرقام دائرة الاحصاءات العامة.

الفاجعة تكتمل حين نعلم أن الأردن كان يصدر القمح مطلع الخمسينيات من القرن الفائت.

ويشير تقرير حالة الأمن الغذائي الأردني 2013- 2014 الصادر عن دائرة الاحصاءات العامة، إلى أن 0,5 بالمئة من أسر المملكة غير آمنة غذائيا، و5,7 بالمئة منها تعتبر هشة نحو انعدام الأمن الغذائي. وأن «جميع الأسر تستهلك الحبوب والنشويات يوميا (القمح والخبز بأنواعه والرز بأنواعه،… إلخ».

ويذهب وزير الزراعة السابق محمد العلاونة الى أن الحكومة تحارب زراعة القمح لكي تبقى تستورد الحبوب الفاسدة مشيرا إلى أن واقع الأردن وإمكاناته تجعله يستطيع إنتاج (مليون ونصف المليون طن) من القمح.

وبين أن الاستهلاك الحقيقي للمملكة هو (٧٠٠) ألف طن وأن القمح الأردني من أجود أنواع القمح عالميا حيث يسمى (الحبوب القاسية) مشيرا إلى أنها تحتوي على نسبة عالية من الألياف والتي تعالج الجهاز الهضمي وكثيرا من الأمراض المعوية التي نعاني منها.

ويشير العلاونة إلى أن المملكة استوردت قمحا لا يتلاءم مع بيئتنا، لأنه يخلو من الألياف، ويبين أن القمح الذي يستورد من كندا وروسيا غني بمواد الطاقة التي يحتاجونها في بيئتهم ولكن نحن لسنا بحاجة إلى مواد الطاقة إلا بنسبة قليلة مما يؤثر على نمو وقدرة الإنسان في العمل والتفكير.

من جانبه، بين مدير الانتاج النباتي في وزارة الزراعة الدكتور عبد الوالي الطاهات أن من أهم المشاكل والمعوقات التي تحد من زراعة القمح والشعير «قلة المساحات الزراعية بسبب تفتت الملكية والزحف العمراني على الأرض الصالحة لزراعة القمح والشعير».

ولفت الطاهات إلى تأثير تذبذب الأمطار وعدم توزيعها خلال مراحل النمو وتوالي سنوات الجفاف إضافة إلى عدم استخدام الدورة الزراعية وارتفاع أسعار مستلزمات الانتاج وعدم زراعة أشجار مثمرة في الاراضي الصالحة لزراعة القمح والشعير وعدم تبني المزارعين للتقنيات الحديثة جميعها ساعدت في الحد من زراعة القمح والشعير.

واشار الى أن القمح بحاجة الى معدلات أمطار حوالي 400 ملم سنويا علما ان اكثر من 90 % من مساحة المملكة معدلات الأمطار فيها أقل من 200 ملم.

وبين أن المساحة الإجمالية المزروعة بالقمح والشعير بلغت حوالي 500 ألف دونم منها 150 ألف دونم قمح و350 ألف دونم شعير.

واشار إلى أن المساحة المتوقع حصادها من القمح 80% من المساحة المزروعة و40% من المساحة المزروعة بالشعير وبمعدل انتاج الدونم للقمح 140 كغم والشعير 100كغم للدونم.

يشار إلى أن الحكومة الحالية قررت في حزيران الماضي، وبناء على تنسيب وزير الزراعة، اعتماد وزيادة اسعار شراء محصولي القمح والشعير (بذار ومواني) بواقع 50 دينار للطن الواحد.

اما بالنسبة لدور وزارة الزراعة فيبين الناطق باسم الوزارة الدكتور نمر حدادين أنها قدمت الخدمات الفنية للمزارعين والبذار المحسن والمعتمد إضافة إلى توفير الأليات الزراعية وبأسعار رمزية.

وأشار إلى أن الوزارة قامت بشراء البذار بأسعار مدعومة ومشجعة وأعلى من الأسواق العالمية وزراعة الأصناف المحسنة من خلال عمل مشاهدات وتجارب حقلية للمزارعين في كل منطقة كما وتنفذ الوزارة ندوات علمية للعناية بالمحاصيل الحقلية وطرق مكافحة الآفات الزراعية.

واوضح حدادين أن كمية الحبوب التي تم استلامها من الأقاليم الثلاثة (الوسط والجنوب والشمال) القمح والشعير حوالي 16 ألف طن «قمح مواني وشعير علفي» وقمح بذار وشعير بذار حوالي 1.800 طن للموسم الحالي حتى تاريخه.

وبين أن انتاج القمح والشعير الموسم الماضي بلغ حوالي 20 ألف طن «قمح مواني وشعير علفي» وقمح بذار وشعير بذار حوالي 1.500 طن.

وبين ان مجلس الوزراء وافق على زيادة شراء طن القمح والشعير 50 دينارا للطن للموسم الحالي.

مدير عام اتحاد المزارعين الأردنيين المهندس محمود العوران يلاحظ أن زراعة القمح والكميات المتاحة في الأردن انخفضت بسبب التغيرات المناخية، إذ ينتج الأردن نوعية قمح ذات القشرة الصلبة ومن مميزاتها أنها مرغوبة عالميا لصناعة المعكرونة.

واشار العوران إلى أن التوجه الرسمي هو زراعة الزيتون، مبينا أن زراعة القمح تنتج مادة الطحين والفريكة والبرغل والسميد والجريش وبالتالي لابد من الاهتمام بهذه النوعية من الزراعات ومتابعة مزارعي المحاصيل الحقلية.

ولفت إلى أن هناك فوائد عديدة للقمح منها «الحفاظ على الأمن الغذائي وتخفيف فاتورة استيراد القمح وتوفير فرص عمل للعمالة المحلية اليدوية والميكانيكية.

واكد أنه في ظل التغيرات المناخية لابد من تفعيل دور البحث العلمي في انتاج أصناف من القمح تتلاءم والظروف الجوية التي تسود المنطقة وتؤمن احتياجات المزارعين من البذور في حال الاستيراد من مناطق شبيهة بمناخ الأردن.

ويوضح أنه لابد من الاهتمام بزراعة القمح من خلال ارشاد المزارعين إلى نوعية الأسمدة اللازمة في عمليات الرش لمقاومة الآفات الزراعية وفئران الحقل كما ولابد من تفعيل دور قانون استعمالات الأراضي فيما يخص زراعة المحاصيل الحقلية.

واكد أن معظم مناطق عمان الغربية يكون فيها هطولات الأمطار مناسبة لزراعة القمح ولكن بسبب الزحف العمراني وغياب الرقابة وعدم وجود الخبرة الكاملة لدى وزارة الزراعة تلاشى هذا النوع من المحاصيل الاستراتيجية. ويذكّر بأن هناك مزارعين لهم خبرة وباع طويل في زراعة القمح ولكن بسبب غياب التوجيه الحقيقي والإرشاد الزراعي والاختناقات التسويقية والاغلاقات الحدودية اتجهوا نحو زراعات أخرى.

وأشار إلى أن هناك مناطق ذات ميزة جغرافية معينة يكون إنتاجها منافسا عالميا وذا جودة عالية مثل قمح صفرا معان وهو مطلوب للأسواق الخارجية لصناعة المعكرونة.

واكد العوران أنه لابد من توجيه المزارعين للزراعات التي لها جدوى تعود بالنفع على كل من المنتج والمستهلك وأن تكون في متناول اليد من حيث الأسعار وأن يكون لدينا صناعات غذائية لها تماس مباشر مع انتاج هذا النوع من المحاصيل.

بهذا المعنى، ألا يجوز لنا أن نستنتج أن ما تقوله الحكومة عن تخصيص دعم للمستهلكين على مادة الطحين، بمعنى استيراد القمح بسعر وبيعه بسعر أقل للمستهلك، هو في الوقت ذاته، وبلغة أخرى، دعم للمزارع الذي نستورد منه؟ اكان أميركياً أم رومانياً أم روسياً؟

اترك تعليق