عودة السفير القطري .. اولى من الاسرائيلي !

13

الحرة نيوز –

كتبت – اخلاص القاضي – لطالما كانت عمان ارض الوفاق والاتفاق , ولطالما اسهمت الدبلوماسية الاردنية على مر عمر الدولة بتقريب وجهات النظر بين الاطراف المختلفة او المتنازعة على ملف ما ..

ولطالما كان الاردن وما زال موئل الاعتدال والوساطات النظيفة التي تهدف الى ” رأب الصدع ” , والتاريخ يشهد على احتضان الاردن لمسارات عربية – عربية , شفافة وهادئة وهادفة , كانت ترنو الى تعزيز اسس العمل العربي المشترك ومسارات التعاون والتكامل والتلاقي , لكن !

غير ان ما يسترعي الانتباه الآن، ان يصطف الاردن -دون ان يعني ذلك حرفيا- ضمن محور نزاع (خليجي – خليجي)، على غير عادته، وعلى نقيض سياساته الخارجية المعهودة القائمة على الهدوء والانسيابية والتحلي بكثير من الحكمة والتروي والذكاء بل وتقديم المبادرات والحلول الاستباقية لاي ازمة..

على الاردن، وبصرف النظر عن الظروف التى قادته الى هذا الموقف، وأتحدث هنا عن التخفيض الدبلوماسي في السفارة القطرية بعمان، أن يعيد النظر بموقفه هذا، ولا أقول هنا ان نكون ضد اي طرف خليجي مع اي طرف اخر، على العكس تماما، فمن مصلحة الاردن ان يكون على مسافة واحدة من جميع دول الخليج العربي خاصة، وبقية الدول العربية بشكل عام، اذ نكن كأردنيين قيادة وحكومة وشعبا كل التقدير والاحترام لكل من السعودية والامارات والبحرين وعمان وقطر والكويت بنفس الوتيرة والدرجة، إذ لا مصلحة للاردن بأن يوسم نفسه بعلاقات باردة مع تلك الدول التي طالما كانت عمقا استراتيجيا اقتصاديا للاردن الذي كان له الدور المميز في البناء ومأسسة قطاعات عدة هناك، وهذا الامر لا ينكره حتى اخواننا في الخليج.

مرت أشهر ليست بالقليلة على بداية الازمة الخليجية، لم يستفد الاردن اي شيء من موقفه مما يحدث، بل ان من مصلحة الاردن وخاصة في هذا الظرف الاقتصادي العصيب تحديدا ان يعيد بناء العلاقات الاردنية القطرية على اسس امتن من التعاون والتكامل في مختلف الميادين الاقتصادية والسياسية والثقافية والسياحية -السياحة العلاجية تحديدا- وفي قطاعات اخرى مختلفة , لما في ذلك انعكاسا ايجابيا مجديا يعود بالنفع على البلدين الشقيقين.

صاعق خبر اعادة السفير الاسرائيلي الى عمان، حتى لو اعتذر العدو، وحتى لو عوض اهالي الشهداء، هذا الاعتذار لا يمحي تاريخه الملطخ بالدماء، الاولى في هذا الظرف الاستثنائي، وفي ظل الارتفاع الجنوني للاسعار في الاردن وازدياد معدلات الفقر والبطالة، وفي ظل عدم قدرة الحكومة على المضي قدما في برامج الاصلاح والتحول الاقتصادي والاجتماعي، وعدم قدرة المواطن تاليا على الشعور بأي تحسن في مستويات الاوضاع المعيشية حيث لا افق ولا مشروعات ضخمة قادرة على وضع الاردن على خارطة الاستثمار العالمي، اقول، وفي ظل كل هذا واكثر من قضايا تتعلق بهموم المواطن، على الاردن رفع التمثيل الدبلوماسي بينه وبين قطر واعادة الامور الى نطاقها السابق والاعتيادي بعودة السفير القطري الى عمان، إذ ان السفير القطري العربي اولى من سفير العدو، اذا ما ارتكزنا اولا واخيرا على البعد العروبي الذي طالما آمن به الهاشميون، وطالما تعاملوا بكل توازن مع كل الاشقاء العرب حتى في احلك الظروف السياسية، فمن ينسى موقف الاردن من ازمة الكويت، الداعي الى حل الازمة بالطرق الدبلوماسية بدلا من تطرف الصراع وتدويله , وكلنا يعرف ما حدث , وكيف دفع ويدفع العراق الشقيق لغاية الان ثمن عدم حل النزاع في ظل الاطار العربي -طبعا ناهيك عن اللعبة الدولية في نية احتلال العراق، ولهذا بحث اخر-.

هذا مثال وغيض من فيض يقاس عليه بقية المواقف الاردنية من اي ازمة وخلاصاتها كانت على الدوام الدعوة الى الحوار , ولعب الدور المتوازن , ونبذ التطرف في التعاطي مع الملفات المختلفة .

على الاردن الرسمي اذن اعادة النظر في موقفه من الدوحة فيما يتعلق بالتمثيل الدبلوماسي , وعودة السفير فورا , واجزم ان ذلك يدخل في سياق المطلب الشعبي , حيث يكن الاردنيون كل الاحترام للاشقاء في قطر , وحيث مقاربة القيادتين الشابتين المؤمنين بالتغيير وصنع الافضل لشعبيهما , اذ انه لا ناقة ولا جمل للاردن من ازمة خليجية اطرافها اخوة واشقاء واولاد عمومة تجمعهم العادات والتقاليد وروابط الدم والمصاهرة ووحدة المصير , حيث سيعودون الى ذات الطريق يوما ما , وستعود المياه الى مجاريها يوما ما فلماذا نعادي نحن هذا او ذاك , وكما يقولون بالعامية ” نطلع بسواد الوجه ” !!

ولا مجال هنا للمقارنة بين عربي مسلم وبين صهيوني يهودي، حيث وجب رجحان الكفة لصالح العربي، هكذا يقول المنطق السليم، كما ننتظر من الاردن استعادة براقة لدوره في الوفاق والاتفاق، واطلاق مبادرة من عمان لرأب الصدع الخليجي، وحل المسألة ضمن النطاق العربي، بدلا من الاستفادة الدولية الامريكية خاصة من هذا الملف، اذ تلعب على تناقضاته، فتقبض المليارات من هذا وتنتظره من ذاك، وتحرك الملفات الراكدة لتنشيط ملف تجارة السلاح وتصدير الماكينة الحربية من طائرات وصواريخ وغيرها , في اطار توظيف امبريالي يخدم الاهداف التي وضعت في غرف مظلمة وغايتها ” ايجاد صراع خليجي – خليجي ” خدمة لاهداف اسرائيلية ملخصها انها لا تريد رؤية اي نوع من انواع ” الاتحاد العربي ” ودول مجلس التعاون الخليجي , كان الشكل الوحدوي الذي يؤرق مضاجع العدو , ويضرب سياسة فرق تسد بعرض الحائط.

لا يخفى على احد استفادة حوالي 50 الف اردني مغترب من وجودهم في قطر يحولون وفقا لتقديرات مصرفية حوالي 207 ملايين دولار , واعتقد انه مبلغ يدعم اخفاقات حكومة الملقي في تحسين العوائد الاقتصادية للشعب الاردني .

ومع تفهمنا للموقف الاردني من الازمة برمتها , اعتقد ان على اطراف النزاع المختلفة تفهم الوضع الاردني وخاصة الاقتصادي منه , وعدم ” حشره ” بزوايا لا تعود بالنفع علينا , ومن المفترض ان تتفهم تلك الدول حيادية الاردن , وكينونة المسافة الواحدة , فهذا لبنان على سبيل المثال , بلد التجاذبات والحزبية والاستقطابات واحتساب هذا الطرف او ذاك على جهات خارجية , رغم كل هذا , ورغم توتر قد حصل في العلاقات بين البلدين على خلفية تصريحات رئاسية ذات صلة بحزب الله والمقاومة , استطاع لبنان ان ينأى بنفسه , على الاقل في الملف الاخير , حيث يسمح للبناني الدخول الى الدوحة بلا فيزا مسبقة , اي ان الرئاسة اللبنانية تصرفت بذكاء قبل التأثير على مصير مئات الالاف من اللبنانيين العاملين هناك ويسهمون وفقا لتقديرات اقتصادية بدعم الاقتصاد اللبناني المنهك , بتحويلات تصل الى 56 مليون دولار سنويا .

مصلحة الاردن ان يعلي من مصلحة ابنائه، ويحافظ على مصادر ارزاقهم قبل ان يتصرف بشكل اعتباطي، ومصلحته كذلك ان يفهم الجميع بانه غير قادر وفقا لسياساته الخارجية المعتدلة والوضع المعيشي الاردني ومحدودية الموارد على معاداة ” اي طرف , وان كان عداءا ناعما , الا ان ثمنه في غاية الغلاء , ويدفع ضريبته الاردني المغترب , الذي قصد ديار الله الواسعة اصلا لغياب فرص العمل في وطنه , ولانخفاض معدل الرواتب ,والف سبب وسبب غير هذا , فلماذا تسهم الحكومة دون ان تدري بعودة ابنائها المغتربين وزيادة العبء عليهم وعليها خاصة في ملف البطالة الذي ينعكس طوعا على الفقر والاحباط وربما التطرف وايقاظ ليس الخلايا النائمة فحسب , بل ايقاظ النقمة بسبب فشل السياسات الحكومية من ترجمة رؤى جلالة الملك وخاصة في الملف المعيشي الى واقع حقيقي معاش ينعكس ايجابا على قوت المواطن وكرامته .