ماذا عن المشردين والفقراء في البلاد الأميركية والأوروبية ؟

436
عصام قضماني

لا أعرف لماذا تذكرت ملايين المشردين الذين ينامون في العراء في المدن العريقة الى جوار الأبراج في عواصم أوروبا
والمدن الزاهية الأنيقة في أميركا يمسكون بأقدام المارة من أجل دولار أو سيجارة.

لا أعرف لماذا عادت الى ذاكرتي صورة ذلك الرجل المسن الذي صدمته سيارة كانت مسرعة في أحد شوارع نيويورك المكتظة والثرية بالأعمال والتجارة , بينما ترك أرضا لساعات طويلة وكأنه « جرب « يخشى المارة لمسه أو حتى إسعافه أو حتى الإتصال بدائرة الإسعاف , تذكرت كل هذا وأنا أقرأ مقالة وزعت على نطاق واسع لكاتب أميركي زعم أنه روائي وصحافي تناول فيها بالنقد مظاهر الرفاه في الأردن والتي لا تتناسب من وجهة نظره مع كونه بلدا فقيرا .

في الأردن لا ينام أحد في الشارع ولا ينام إنسان جائعا , لكن المشكلة في أننا على طول نتلقف مثل هذه المقالات التي يكتبها صحافيون هواة يأتونك من أميركا وبقاع الدول الأوروبية , يتدربون علينا وقد جاؤوا إنصياعا لنصائح مدرائهم في الصحف أو المجلات بزيارة دول في العالم الثالث والكتابة عنها لإثارة جدل أو شغف يشبه ما كان
يكتبه الرحالة الأوروبيون في حقبة ما قبل الإستعمار عن البلدان العربية الموحشة والفارغة والمتخلفة التي تحتاج لإنقاذ عاجل وسريع لا يتم إلا عبر دفع الأساطيل لإحتلالها وهذا النوع بالمناسبة هو أقرب طريق للشهرة.

لست هنا بصدد مناقشة مضامين مثل هذه المقالات أو هذا المقال تحديدا خصوصا عندما يصف الأبراج الفندقية الأنيقة وقهوة الكابتشينو في مقاهي الـ«بوليفارد»، والمزاج الذي يغلب على أجواء عمّان وهو ملاحقة أحدث صرخات الموضة الدارجة والبذخ في الثياب والطعام والشراب، في منطقة لا تضم قاعة سينما فنية أو صالة حفلات موسيقية أو حتى متجر كتب واحد ولافراغ الثقافي والفني العالمي والهوس بالنزعات الاستهلاكية الفارغة في مقابل فقر وخدمات طبية متردية وكيف أن الأردنيين وصلوا إلى أقصى حدود التحمّل. في ظل نسبة بطالة حوالى 18 في المئة، فلا أحد في الأردن سعى والكل يشكو وكثير مما تضمنه المقال من تحريض غير مفهوم.

هذه هي الصورة إذا التي يحاول بعض الصحافيين رسمها للأردن و الحقيقة أنني سعيت كثيرا لإبعاد نظرية المؤامرة عن ذهني , لكن في نهاية المطاف لم أجد تفسيرا واحدا لا يقودني الى هذه النتيجة , وسألت .. لماذا يجري تصوير الأردن , على هذا النحو ؟ .. من ضرب على عصب الطبقية والنخبة التي أكلت الأخضر واليابس , والفساد العظيم والفقر المدقع في مجتمع تتنامى فيه الكراهية لا يفكر فيه الناس صباح مساء سوى في كيفية التخلص من النخب وتجريد الأثرياء من كل ما لديهم , هذا كله ليس بعيدا عن ما يجري في المنطقة وعما يحاك لها , ولعلني لا أبالغ إن قلت أن الأردن يدفع ثمن مواقفه حيال القضايا الهامة خصوصا في فلسطين وفي سوريا والعراق , ولا أخالني مخطئا إن جزمت هنا أن كل ما يصاغ من مقالات كهذه وغيرها عن مظاهر البذخ على سبيل الإفتراء لا تتصل الا بتعميق الحقد والكراهية والفتنة.

أيها السادة هناك أكثر من 500 ألف شخص بلا مأوى في الدولة الأعظم «أميركا»، وهي إحصائية صدرت عن وزارة الإسكان الأمريكية وفقا لمسح أجري لليلة واحدة داخل الأحياء الكبرى في الولايات المتحدة ملايين الأمريكيين يعيشون على عتبة الفقر، نسبةٌ كبيرة منهم تعاني الجوع طوال العام. وفي أوروبا هناك من يعيش بحوالي 100 يورو في الشهر فقط، وأميركا تضم أعلى نسبة مشردين من النساء والأطفال بين نظيراتها من الدول الصناعية ونحو ثلاثة ملايين يعيشون تجربة التشرد سنويا في الولايات المتحدة.

وبين الثلاثة ملايين مشرد مليون و350 ألفا من الأطفال ومعظم المخيمات وهي مئة مخيم التي تضم مشردين تتعرض لضغوط من أجهزة الأمن الأميركية لعدم حصولها على الموافقات اللازمة.

عدد الأميركيين الذين يعيشون تحت خط الفقر في الولايات المتحدة خلال العام 2013 تجاوز 45 مليونا.

في ألمانيا بلغ معدل الفقر 16 ،%وتعداد الفقراء في الدول الصناعية يصل إلى 300 مليون إنسان، كما أن نسبة الفقر في دول الاتحاد الأوروبي تصل إلى 17 %من السكان.

هذه حقائق معروفة تصدر عن مؤسسات موثوقة وتنشرها وسائل الإعلام , هؤلاء الكتاب الهواة يتركونها ويتكبدون عناء السفر ليكتبوا عن الأردن وعن بعض البلدان العربية وفيها يكفل الغني الفقير وتوزع المعونات ولا يبات أحدنا وجاره جائع , وفي شهر رمضان وربما طوال السنة تتبادل العائلات أطباق الطاعم , وتقام ألاف الموائد .

هذا لا يحدث في أميركا ولا في أوروبا حيث القسوة حلت في مكان الرحمة .

هل رأيت في الأردن طفلا يحمل سلاحا اتوماتيكيا يفرغه في صدور عشرات الأطفال من زملائه في المدرسة , هل رأيت في الأردن رجلا يقتل آخر من أجل عشرة دولارات , هل رأيت في الأردن أن المارة يبتعدون عن موقع حادث سير على الطريق تاركين المصابين ينزفون أو يتفحمون من الحريق ؟

هذا ما يحدث في أميركا وأوروبا , في كل ساعة ودقيقة , فعم ماذا يكتب هؤلاء ؟.

الرأي

اترك تعليق