هل تغادر الضفة مربع التهدئة والهدوء؟

1608

عريب الرنتاوي

إسرائيل تعيد احتلال الضفة الغربية، هذه هي الحقيقة «بلا رتوش» لما يجري في الأراضي المحتلة في الأسابيع القليلة الفائتة … حكومة نتنياهو تضرب عرض الحائط بـ»التنسيق الأمني» الذي ظل «مقدساً» لدى الجانب الفلسطيني، برغم كل الانهيارات في مساري السلام والتفاوض، وبرغم التآكل المتسارع لمسار أوسلو وخيار «حل الدولتين»… ليست المرة الأولى التي تفعلها إسرائيل، ولن تكون الأخيرة، في مسعى منها – لا تخطئوه العين – لإزالة خطوط أوسلو الوهمية، ومحو الفواصل والفوارق بين مناطق (أ) و»ب» و»ج».

يمكن لكل ذي بصر وبصيرة، أن يخلص إلى هذه النتيجة مبكراً: بقاء الحال من المحال … ليس لدى الفلسطينيين من خيارات أخرى، بعد كل هذه الموجات الاستيطانية الزاحفة، التي تبتلع الأرض والحقوق صبح مساء … ليس لدى الفلسطيني ما يخسره سوى قيوده وأغلاله، سيما بعد اشتداد وطأة «الهراوة» الإسرائيلية، وانفلات رياح العنصرية التي تزكم الأنوف، واستمرار الانتهاكات لكل ما هو مقدس في وعي الفلسطينيين وذاكرتهم وضمائرهم … «هدوء» الضفة، مصطنع، ويندرج في إطار «حقنات التخدير» التي تُعطى للمريض لتخفيف الإحساس بالألم، أما أسباب المرض، فما زالت ماثلة، بل وتتفاقم وتتفشى، وثمة لحظة لا بد آتية، وربما تكون قد أتت، حين ينقلب الشيء إلى نقيضه، ويتحول «الهدوء» إلى «غضب»، ويعبر الغضب عن نفسه بصورة وأشكال وطرائق شتى … من عمليات الدهس، إلى انتفاضة السكاكين، إلى العمليات المسلحة الفردية والمنظمة، مروراً بالمقاطعة ومقاومة الاستيطان والجدران وذوداً عن الأقصى والمقدسات.

مائة عام من الكفاح الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال … يبدو أنها لم تكن كافية لكي يدرك البعض، في إسرائيل وخارجها، للتعرف على الشعب الفلسطيني، ومعرفة توقه الذي لا ينقطع ولن يتوقف للانعتاق من رجس الاحتلال … يبدو أن البعض، في واشنطن وتل أبيب، وربما غيرهما من العواصم، ما زال يعتقد، أن «سلاماً اقتصادياً» يمكن أن «يحل المشكلة»، أو صفقة مذلة يمكن أن يقبل بها الفلسطينيون وإن على مضض، وإن بعد حين، ألم تقل ذلك، نيكي هيلي، مرددة أقوال إيليت شاكيد؟

الأهم من كل هذا وذاك وتلك، يبدو أن السلطة والمنظمة وقيادة الشعب الفلسطيني، لم تتعرف بعد على شعبها، وربما تكون انساقت وراء «سراب الهدوء» في الضفة الغربية، والذي كانت هي بالذات، من بين أسبابه وعوامله «المُؤسسة» … عوّلت على «ضغوط الحياة اليومية» للمواطن، وراهنت على «سلطة ريعية»، يرتبط بها مباشرة أو على نحو غير مباشر، معظم سكان البلاد … عوّلت على فاعلية «التنسيق الأمني المقدس»، سوّفت وماطلت وراوحت وأرجأت أية محاولة لاجتراح البدائل الاستراتيجية عن طريق فشل باعتراف أصحابه، برغم مضي ربع قرن من المسير في أنفاقه ودهاليزه المظلمة.

الضفة تقاوم، وتخرج عن «هدوئها»، والضفة تنفض عن نفسها غبار الركود والرتابة … لكن أحداً ليس بمقدوره الجزم، بأن ما يجري اليوم، هو لحظة الافتراق بين مرحلتين في الكفاح الفلسطيني، ربما يكون مثل هذا التقدير، متفائلاً بأكثر مما ينبغي، لكن لحظة الافتراق بين «الهدوء» و»الثورة» ليست بعيدة في كل حال، وإن لم تحدث هذه المرة، ستحدث في مرة قادمة، وربما لن يطول انتظارها.

 

قد يدّعي البعض، من السلطة على وجه الخصوص، بأن ما شهدته الضفة من أحداث وعمليات، إنما هو فعل مدبر في ليل بهيم، من إسرائيل لإضعاف السلطة وإخماد روح المقاومة عند شعبها، أو من حماس، خصم السلطة ومنافستها الرئيسة … في الشق الأول من المسألة، نقول: من كان يتوقع من إسرائيل غير ما تقوم به، سيما بعد أن تفشى اليمين الديني والقومي فوق الخريطة الحزبية والسياسية الإسرائيلية، ويكاد يبتلعها … أما في الشق الثاني، فنقول: أن من السياسة، حتى لا نقول من «الحكمة»، الافتراض بأن حماس قد تلعب بورقة «تهدئة غزة» و»تثوير الضفة» فتلكم مصلحة لها، وما اعتمدته من وسائل لتحقيقها وتعظيمها، ربما تكون مناسبة ومشروعة، فماذا أنتم فاعلون، سيما إن أقررتم بأن الوضع في الضفة، وفي جزء كبير منه، هو من صنع أياديكم، قابل للانفجار في أية لحظة، ولا ينتظر سوى من يشعل الفتيل؟

اترك تعليق